محمد ابو زهره
675
خاتم النبيين ( ص )
النبي بين أصحابه 453 - شغلتنا أخبار الغزوات والسرايا عن النواحي الأدبية التي كانت بين النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم وصحابته والتي كانت تربط القلوب بالمودة الراحمة ، فقد كان رؤوفا رحيما ، يعين المحتاج ويواسى الضعيف ، وما كان ليخرج بهم إلى ميادين القتال ، إلا وهم يشعرون برحمته ، ومودته فكان نبي المرحمة ونبي الملحمة ، ولا بد قبل الملحمة من المرحمة ، فإن النصر وسيلته الرحمة بالجند والرعية ، ورعاية العشير لعشرائه . رأى رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم جابر بن عبد اللّه قد تأخر عن الرفاق ، إذ هم يمضون وهو متخلف عنهم ، وكان سبب تخلفه عن الركب أن جمله ضعيف ، فسأله مالك ؟ : قال يا رسول اللّه أبطأ بي جملي هذا ، فقال له محمد رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم أنخه ، وقطع جابر عصا من شجرة بأمر رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، فأخذها ونخسه بها نخسات ثم قال لجابر : اركب ، فركبه ، وقال جابر : والذي بعثك بالحق يواهق ناقته مواهقة ، أي يسارعها ولا يبطؤ . هكذا كانت مراعاة القائد لجنده ، يتتبع الضعيف فيقويه ، والمتخلف فلا يتركه حتى يسير معه ببركة اللّه ، وما سقنا الخبر لذلك فقط ، بل سقناه لهذا ، ولأنها بركة بأمر خارق للعادة . وإن حديث الجمل لا ينتهى بذلك ، بل إن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم يبتاع الجمل ، فيريد أن يهبه له جابر ، فيأبى إلا الشراء ، ثم يساومه ، طلبه النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم بدرهم فأبي ، فزاده إلى درهمين فأبي ، فما زال يزيده حتى جعل ثمنه أوقية من ذهب ، ولكنه يهبه للرسول ، بعد أن ساوم هذه المساومة . وإذا كان قد تعرف حال صاحبه وهو في السفر ، فلا بد أن يؤنسه ويعينه ، ويتعرف حاله . فسأله رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم قائلا : يا جابر ، هل تزوجت ؟ قال : نعم يا رسول اللّه . قال عليه الصلاة والسلام أثيبا أم بكرا ، قال : لا بل ثيبا . قال عليه الصلاة والسلام أفلا جارية تلاعبها وتلاعبك . قال جابر : يا رسول اللّه إن أبى أصيب يوم أحد ، وترك بنات له سبعا ، فنكحت امرأة جامعة ، تجمع رؤسهن وتقوم عليهن ، قال له الرسول صلى اللّه تعالى عليه وسلم العطوف الألوف : أصبت إن شاء اللّه . ولكن الرسول صلى اللّه تعالى عليه وسلم لا يكتفى بذلك الود الراحم ، بل إنه يقيم الوليمة لزواج صاحبه ، فإذا وصل إلى مكان يبعد عن المدينة بنحو ثلاثة أميال اسمه صرار ، نحر جزورا ، يأكل هو وأهله . كان ذلك والجمل في يد جابر .